الاثنين، 31 مارس 2014

على باب الهيكل



لجبران خليل جبران

وقفت بالأمس على باب الهيكل أسأل العابرين عن خفايا الحب ومزاياه

فمر أمامى كهل وقال .... الحب ضعف فطرى ورثناه عن الانسان الأول

ومر فتى قوي وقال مترنما.... الحب سم قتال

ومرت صبية وقالت .... الحب كوثر تسكبه عرائس الفجر فى الأرواح القوية

ومر رجل ذو ملابس سوداء ولحية مسترسلة وقال عابسا .... الحب جهالة عمياء تبتدئ ببدء الشباب وتنتهى بنهايته

ومر رجل ذو وجه صبيح وقال....الحب معرفه علوية تنير بصائرنا

ومر أعمى وقال.... الحب ضباب كثيف

ومر شاب يحمل قيثارة وقال.... الحب شعاع سحرى ينبثق من أعماق الذات وينير جنباتها

ومر هرم منحنى الظهر وقال .... الحب راحة الجسم فى سكينة القبر وسلامة النفس فى أعماق الأبدية

ومر طفل ابن خمس وهتف .... الحب أبى والحب أمى ولايعرف الحب سوى أبى وأمى

ولما جاء المساء .... سمعت صوتا آتيا من داخل الهيكل يقول : الحياة نصفان , نصف متجلد ونصف ملتهب : فالحب هو النصف الملتهب
فدخلت الهيكل .... وسجدت راكعا مبتهلا .... هاتفا : اجعلنى يارب طعاما للهيب

الاثنين، 20 يناير 2014

الكآبه الخرساء

لجبران خليل جبران

أنتم أيها الناس تذكرون فجر الشبيبة فرحين باسترجاع رسومه متأسفين على انقضائه ، أما أنا فأذكره مثلما يذكر الحر المعتوق جدران سجنه وثقل قيوده . أنتم تدعون تلك السنين التي تجيء بين الطفولة والشباب عهداً ذهبياً يهزأ بمتاعب الدهر وهواجسه ويطير مرفرفاً فوق رؤوس المشاغل والهموم مثلما تجتاز النحلة فوق المستنقعات الخبيثة ، سائرة نحو البساتين المزهرة ، أما أنا فلا أستطيع أن أدعو سني الصبا سوى عهد آلام خفية خرساء كانت تقطن قلبي وتثور كالعواصف في جوانبه ، وتتكاثر نامية بنموه ولم تجد منفذاً تنصرف منه إلى عالم المعرفة حتى دخل إليه الحب وفتح أبوابه وأنار زواياه ، فالحب قد عتق لساني فتكلمت ومزق أجفاني فبكيت وفتح حنجرتي فتنهدت وشكوت.

أنتم أيها الناس تذكرون الحقول والبساتين والساحات وجوانب الشوارع التي رأت ألعابكم وسمعت همس طهركم ، وأنا أيضاً أذكر تلك البقية الجميلة من شمال لبنان ، فما أغمضت عينيّ عن هذا المحيط إلا ورأيت تلك الأودية المملوءة سحراً وهيبة ، وتلك الجبال المتعالية بالمجد والعظمة نحو العلاء ، ولا صممت أذني عن ضجة هذا الاجتماع إلا وسمعت خرير تلك السواقي وحفيف تلك الغصون , ولكن هذه المحاسن التي أذكرها الآن وأشوق إليها شوق الرضيع إلى ذراعي أمه هي التي كانت تعذب روحي المسجونة في ظلمة الحداثة مثلما يتعذب البازي بين قضبان قفصه عندما يرى أسراب البزاة تسبح حرة في الخلاء الوسيع ــ وهي التي كانت تملأ صدري بأوجاع التأمل ومرارة التفكير ، وتنسج بأصابع الحيرة والالتباس نقاباً من اليأس والقنوط حول قلبي ــ فلم أذهب إلى البرية إلا وعدت منها كئيباً جاهلاً أسباب الكآبة . ولا نظرت مساء إلى الغيوم المتلونة بأشعة الشمس إلا وشعرت بانقباض متلف ينمو لجهلي معاني الانقباض ، ولا سمعت تغريدة الشحرور أو أغنية الغدير إلا وقفت حزيناً لجهلي موجبات الحزن.

يقولون إن الغباوة مهد الخلو والخلو مرقد الراحة ــ وقد يكون ذلك صحيحاً عند الذين يولدون أمواتاً ويعيشون كالأجساد الهامدة الباردة فوق التراب ، ولكن إذا كانت الغباوة العمياء قاطنة في جوار العواطف المستيقظة تكون الغباوة أقصى من الهاوية وأمر من الموت . والصبي الحساس الذي يشعر كثيراً ويعرف قليلاً هو أتعس المخلوقات أمام وجه الشمس لأن نفسه تظل واقفة بين قوتين هائلتين متباينتين : قوة خفية تحلق به السحاب وتريه محاسن الكائنات من وراء ضباب الأحلام ، وقوة ظاهرة تقيده بالأرض وتغمر بصيرته بالغبار وتتركه ضائعاً خائفاً في ظلمة حالكة.

للكآبة آياد حريرية الملامس، قوية الأعصاب تقبض على القلوب وتؤلمها بالوحدة. فالوحدة حليفة الكآبة كما أنها أليفة كل حركة روحية. ونفس الصبي المنتصبة أمام عوامل الوحدة وتأثيرات الكآبة شبيهة بالزنبقة البيضاء عند خروجها من الكمام ترتعش أمام النسيم  وتفتح قلبها لأشعة الفجر وتضم أوراقها بمرور خيالات المساء ، فإن لم يكن للصبي من الملاهي ما يشغل فكرته ومن الرفاق من يشاركه في الأميال كانت الحياة أمامه كحبس ضيق لا يرى في جوانبه غير أنوال العناكب ولا يسمع من زواياه سوى دبيب الحشرات.

أما تلك الكآبة التي اتبعت أيام حداثتي فلم تكن ناتجة عن حاجتي إلى الملاهي لأنها كانت متوفرة لدي ولا عن افتقاري إلى الرفاق لأنني كنت أجدهم أينما ذهبت ، بل هي من أعراض علة طبيعية في النفس كانت تحبب إليّ الوحدة والانفراد وتميت في روحي الأميال إلى الملاهي والألعاب وتخلع عن كتفيّ أجنحة الصبا وتجعلني أمام الوجود كحوض مياه بين الجبال يعكس بهدوئه المحزن رسوم الأشباح وألوان الغيوم وخطوط الأغصان ولكنه لا يجد ممراً يسير فيه جدولاً مترنماً إلى البحر.

هكذا كانت حياتي قبل أن أبلغ الثامنة عشرة ، فتلك السنة هي من ماضيّ بمقام القمة من الجبل لأنها أوقفتني متأملاً تجاه هذا العالم، وأرتني سبل البشر ومروج أميالهم وعقبات متاعبهم وكهوف شرائعهم وتقاليدهم.

في تلك السنة ولدت ثانية والمرء إن لم تحبل به الكآبة ويتمحض به اليأس وتضعه المحبة في مهد الأحلام تظل حياته كصفحة خالية بيضاء في كتاب الكيان.

في تلك السنة شاهدت ملائكة السماء تنظر إليّ من وراء أجفان امرأة جميلة وفيها رأيت أبالسة الجحيم يضجون ويتراكضون في صدر رجل مجرم ، ومن لا يشاهد الملائكة والشياطين في محاسن الحياة ومكروهاتها يظل قلبه بعيداً عن المعرفة ونفسه فارغة من العواطف.

الأربعاء، 4 ديسمبر 2013

كنز الأحلام



جلست مع إبنة أخي الصغيره نقلب التلفاز آخذين جوله بين ما تعرضه محطات الأطفال من برامج , ولحسن الحظ وجدنا حلقه جديده للمحقق كونان



وبعد الإستمتاع بمشاهدة تلك الحلقه وإنتهاء المحقق كونان من كشف ملابسات إحدى القضايا انتظرت لأرى البرنامج التالي وكان مسلسل كرتوني قديم وجميل هو جزيرة الكنز

جزيرة الكنز طرح برأسي بعض التساؤلات وأعاد لذهني رواية الخيميائي وكذلك قصه حدثت قبل سنوات ليست بعيده وأحداث تلك القصه كالتالي :


إجتمع بعض الرجال بعد أن توفر لديهم معلومات عن وجود كنز في مكان ما , وأصبح لديهم معلومات عن وجود بعض العلامات في ذلك المكان ولكن ليس من السهل العثور عليها ومن الصعب إيجاد علامه صغيره منقوشه أو مثبته على صخره وربما تكون صغيره أيضاً على حافة وادي أو على سفح جبل وإلى غير ذلك وهذا عدى عن العوامل الطبيعيه من رياح وأمطار وتغييرها للمعالم بشكل عام

تلك العقبات أوجدت لديهم رغبه وعزيمه وإصرار على الوصول لكنزهم المنشود وهنا يعود لذهني عباره جميله جداً أعجبتني في رواية الخيميائي تقول  :

عندما تريد شيئاً ما فإن الكون بأسره يتظافر ليوفر لك تحقيق رغبتك

كان الكنز بمثابة أسطوره شخصيه لهم يسعون لتحقيقها وبذلوا جهود كبيره للوصول إلى هدفهم واستطاع أحدهم عليه رحمة الله أن يأتيهم بخارطه للموقع الذي يبحثون عنه  فأصبحت مهمتهم أسهل ووجدوا الوادي الذي يبحثون عنه ومن ثم العلامات وتتبعوها وقارنوها بما لديهم فوجدوها مطابقه وقاموا بتحليلها وبعد ذلك العناء الطويل والجهود المضنيه إستطاعوا تحديد مكان الكنز بدقه بل إنهم كانوا واقفين فوقه مباشره لا يفصلهم عنه إلا متر واحد من التراب

ولكن يا ترى ماذا فعلوا ؟

لقد عادوا أدراجهم وتركوا كنزهم الذي لم يفصلهم عنه سوى إزالة متر واحد من التراب !!!
كل منا له كنز يتمناه في حياته أسطوره شخصيه يسعى لتحقيقها حلم يعيشه في الليل والنهار علامات يتبعها دون كلل ولا ملل الجسد لا يضنيه التعب والعين لا يرهقها السهر فهناك هدف وحلم في الوصول لذلك الكنز

إن وصلنا إلى كنزنا وحلمنا فلماذا لا نزيل ذلك المتر من التراب فربما يكون هناك كنز حقيقي ولن يحقق ذلك الكنز السعاده وإنما سيكون مجرد بدايه للسعاده إن عرفنا كيف نستثمر ذلك الكنز ونحافظ على نعمه وهبها الله لنا ونشكره عليها
    
والسعاده رحله وليست محطه

الاثنين، 2 ديسمبر 2013

حياة ونصف حياة



قال جبران خليل جبران :

لا تجالس أنصاف العشاق، ولا تصادق أنصاف الأصدقاء، لا تقرأ لأنصاف الموهوبين، لا تعش نصف حياة، ولا تمت نصف موت، لا تختر نصف حل، ولا تقف في منتصف الحقيقة، لا تحلم نصف حلم، ولا تتعلق بنصف أمل


إذا رضيت فعبّر عن رضاك ، لا تصطنع نصف رضا ، وإذا رفضت.. فعبّر عن رفضك، لأن نصف الرفض قبول..

النصف هو حياة لم تعشها، وهو كلمة لم تقلها، وهو ابتسامة أجّلتها، وهو حب لم تصل إليه، وهو صداقة لم تعرفها..

النصف هو ما يجعلك غريباً عن أقرب الناس إليك، وهو ما يجعل أقرب الناس إليك غرباء عنك، النصف هو أن تصل وأن لاتصل، أن تعمل وأن لا تعمل، أن تغيب وأن تحضر.. النصف هو أنت، عندما لا تكون أنت.. لأنك لم تعرف من أنت. النصف هو أن لا تعرف من أنت .. ومن تحب ليس نصفك الآخر.. هو أنت في مكان آخر في الوقت نفسه!!..

نصف طريق لن يوصلك إلى أي مكان،ونصف فكرة لن تعطي لك نتيجة.. النصف هو لحظة عجزك وأنت لست بعاجز.. لأنك لست نصف إنسان. أنت إنسان.. وجدت كي تعيش الحياة، وليس كي تعيش نصف حياة  !!

الأربعاء، 13 نوفمبر 2013

القرف والوسواس القهري



 

أنعم بوصلك لي فهذا وقته  **  يكفي من الهجران ما قد ذقته

أنفقت عمري في هواك وليتني  **  أعطي وصولا ً بالذي أنفقته

يا من شغلت بحبه عن غيره  **  وسلوت كل الناس حين عشقته

كم جال في ميدان حسنك فارسٌ ** بالسبق فيك إلى رضاك سبقته

أنت الذي جمع المحاسن وجهه  **  لكن عليه تصبري فرقته

قال الوشاة قد ادعى بك نسبة  **  فسررت لما قلت قد صدقته

بالله إن سألوك عني قل لهم  **  عبدي وملك يدي وما أعتقته

أو قيل مشتاقٌ إليك فقل لهم  **  أدري بذا وأنا الذي شوقته


  ومن المؤكد أن كل من سيقرأ كلمات الغزل والغرام والعشق والهيام تلك سيفتح عينيه ويتساءل أين العلاقه بين تلك الكلمات وبين حديثنا لهذا اليوم عن القرف والإشمئزاز ؟   


كانت هذه الأبيات لشاعر إسمه تقي الدين السروجي وكان مغرماً بالجمال وكان الشعراء أنفسهم يتغنون بكلماته ويرددون أشعاره والشيء العجيب أن هذا الرجل الذي كان يتغنى بالجمال وينشد رقائق تسلب العقول كان يقرف من النساء ويكره مكاناً فيه إمرأه ومن دعاه من أصحابه قال شرطي معروف وهو أن لا يحضر بالمجلس إمرأه وكان يوماً في دعوه فأحضر صاحب الدعوه شواء وأمر بإدخاله إلى النساء ليجعلنه في الصحون فلما أحضر بعد ذلك تقرف منه وقال كيف يؤكل وقد مسسنه بأيديهن !!!

وهذه حاله عجيبه جداً !!!!

وحالة القرف والإشمئزاز موجوده عند البشر ولكن بدرجات متفاوته وجميعنا لدينا ردات فعل طبيعيه تجاه العوامل المثيره لإنفعال القرف والإشمئزاز كالقرف من الفئران مثلاً ومن الأماكن القذره ومن الأطعمه الفاسده أو حتى التي نشك أحياناً بنظافتها ونظافة من قام بإعدادها وأيضاً بعض السلوكيات أثناء الطعام والتي يقوم بها البعض تكون غير مقبوله ومستهجنه وبدون حرج يمكننا القول مقرفه !

ولكن البعض تتطور حالة القرف والإشمئزاز عندهم لدرجه غريبه وعجيبه وفي قريتنا إمرأه عندما يأتيها ضيوف تقوم باستقبالهم وأداء واجب الضيافه مع ضرورة تقيدهم بما تمليه عليهم بالإضافه لمتابعتها الدقيقه لسلوكياتهم أثناء تواجدهم وما أن يرحلوا حتى تبدأ بتنظيف المنزل وشطف الدرج وساحة المنزل وأمام البوابه الرئيسيه أيضاً ! وإذا سلمت عليها إمرأه وأرادت تقبيلها فإنها تضع الإشار على وجهها حتى لا تلامس شفاه تلك المرأه وجهها ومن ثم تقوم بغسل يديها ووجهها عدة مرات وفي ما يتعلق بالطعام والشراب فتلك المرأه لا تأكل أو تشرب خارج منزلها إطلاقاً إلا في حالات نادره جداً وبعد أن تتثبت من نظافة ما يقدم لها ولا تجامل أو تتحرج من أحد حتى لو كانت أختها أو كان أخيها   

ولقد قام علماء النفس بإجراء العديد من الدراسات والأبحاث الطبيه والسلوكيه والنفسيه وأعتقد بناءً على ما قرأت أنهم لم يصلوا لتفسير واضح لأسباب تطور إنفعال القرف عند البعض لدرجه غير معقوله وأكثر حديثهم كان عن علاقة إنفعال القرف بالوسواس القهري وبعض أنواع القلق الرهابي وأشارت بعض الدراسات ( mckay,2006 ) إلى قابلية إستجابة القرف المختله في مرضى الوسواس القهري للتحسن بنفس مباديء العلاج السلوكي القائمه على التعرض التدريجي ومنع الإستجابه القهريه وتختلف مدة العلاج وعدد الجلسات حسب شدة الحاله المرضيه وطول مدة المرض


ولكن يا ترى هل من الممكن أن يقبل من لديه حاله متقدمه من القرف أن يذهب لطبيب أو مرشد نفسي ؟ 

أنا عن نفسي لا أعتقد


الأحد، 10 نوفمبر 2013

من شابه أباه فما ظلم


يقال الولد سر أبيه وإذا أردت أن ترى نفسك وأنت صغير فانظر إلى إبنك وتأمل أفعاله وراقب سلوكه ولقد قام العديد من علماء النفس بدراسات وأبحاث تتعلق بتوارث الصفات الجسميه والعقليه والنفسيه وانتقال هذه الصفات عبر الأجيال ويعد عالم النفس الإنجليزي فرنسيس جالتون ( إبن عم دارون ) أول من استخدم طريقة النسب الوراثي وأبرز إسهاماته كانت دراسته لوراثة الذكاء التي قدمها عام 1869 وقضى فيها قرابة ثلاثين عاماً لدراسة العوامل الوراثيه وقام بدراسة الأساس الوراثي للعبقريه والتفوق العلمي والأكاديمي وخلص إلى أن هذه الأمور تتوارث من الأب إلى الإبن وقام عالم آخر إسمه جودارد عام 1912 بدراسة تأثير الوراثه على صفة الضعف العقلي وقام بتتبع قصة أسره تعرف في تراث علم النفس بإسم أسرة كاليكاك وخلص إلى أن الضعف العقلي ينتقل بالوراثه كما هو حال الذكاء

إلا أن آراء علماء النفس حول هذه النتائج قد اختلفت ووجهت كثير من الإنتقادات لجالتون وجودارد فالبعض يرى أن الذكاء لا يتحدد بالوراثه فقط ولكن تلعب البيئه والأوضاع الإقتصاديه وأمور أخرى دورها أيضاً في هذا الشأن وأن أسلوب دراسة الأسره والنسب الوراثي يتميز بمشكله محدده هي عدم القدره على فصل التأثيرات الوراثيه عن التأثيرات البيئيه وما يمكن أن تلعبه الأخيره في تنشئة الفرد ويتضح هذا التأثير في حالة طفل أفيرون المتوحش أو ما عرف في التراث العلمي لعلم النفس بطفل الغابه فقد عثر على هذا الطفل في غابة أفيرون القريبه من باريس عام 1799 وكان عمره ما بين 11 و 12 عاماً وكان أكثر توحشاً وأكثر شبهاً بالحيوانات منه بالإنسان حيث لم يكن قادراً على التحدث بلغة البشر وكان يختار طعامه مستعيناً بحاسة الشم وكان يمشي على رجليه ويديه وحاول الطبيب الفرنسي إيتارد الذي كان يتابع حالته أن يعلمه ويكسبه خصائص سلوك الإنسان وحاول ان يقلل من الدوافع الحيوانيه الموجوده لدى الطفل وبعد مضي خمس سنوات من الجهود المضنيه أعلن الطبيب الفرنسي عجزه عن إكساب الطفل أي من الصفات الإنسانيه

ويرى أصحاب وجهة النظر هذه أن الآباء الأذكياء لا ينقلون لأبنائهم الجين المسؤول عن صفة الذكاء وحسب وإنما يوفرون عادة لأبنائهم بيئه ومناخ ملائمين لتنمية إستعداداتهم الوراثيه وتنشيطها والأمر لا يتوقف عند حد الذكاء فقط وإنما يمتد ليشمل كافة الخصائص الوراثيه وإن لم تتوفر البيئه الملائمه فلن تظهر تلك الخصائص

وبعد أن تناولنا بإيجاز أراء علماء النفس سنذهب لنستريح قليلاً مع الأدب القديم في قصه طريفه رواها الأصمعي وهي في صلب موضوعنا اليوم قال فيها :

كان في بني تميم رجل أسمه حنظله وكان معروفاً بسرعة الجواب المسكت حتى لا يكاد أحد يقهره فتزوج إمرأه منهم اسمها علقمه فجاءته بعدة أولاد ولم يسلم له منهم غير ولد اسمه مرّه وكان أسرع من أبيه جواباً مع بشاعة منظره فصدر منه أمر أوجب سبّه من أبيه في قومه فدار بينهما هذا الحوار

 الأب : أنت خبيث كإسمك يا مره

 الإبن : أخبث مني من سماني به

 الأب : إنك لمر يا مره

 الإبن : أعجبتني حلاوتك يا حنظله

الأب :  تالله لست من الناس

 الإبن : من شابه أباه ما ظلم

الاب :  لا رضي الله عن بطن تقلبت فيه

 الإبن : أجل ولا عن ظهر نزلت منه

الأب : ويلك ما تزداد إلا سوء أدب

الإبن : أتجني من الشوك عنباً

الأب : لقد كنت شؤماً على إخوتك حتى ماتوا وبقيت

الإبن :  أعجبتني كثرة عمومتي يا مبارك

الأب :  لا أفلحت أبداً

الإبن :  كيف يفلح من أنت أبوه

الأب :  ما أحوجك الى تأديب

الإبن :  الذي نشأت على يديه أحوج مني إليه

الأب :  أراحني الله كما أراح إخوتك

الإبن :  تختنق بحبل حتى تموت فتستريح من وجهي

الأب : لأدعون الله عليك

الإبن : الذي تدعوه عالم بك

الأب :  ما يعلم مني إلا خيراً

الإبن :  شاكر نفسه يقريك السلام

الأب :  ما أجد لي خيراً من السكوت

الإبن :  يمنعك سوء خلقك الذميم

الأب :  لولا فتوري عنك ما تجرأت علي

الإبن :  إذاً نفسك فلم

الأب : إن قمت إليك لأوجعتك ضرباً

الإبن :  ما أنت أشد مني بطشاً

الأب :  وتضربني إذا ضربتك

الإبن :  وأنت في شك من ذلك

الأب :  فإذاً سود الله وجهك

الإبن :  إلا أنت بيض الله عينيك

الأب :  ورّم الله منك الأرض

الإبن :  إذاً فرق الله بينك وبين العافيه

الأب : يا رب ترزق الناس أولاداً حساناً وأنا ترزقني شيطاناً

الإبن :  أما علمت أن من العصا العصيه والحيه لا تلد إلا حييه

ِقال الأصمعي فانقطع جواب الأب ولم يعش بعدها إلا يوم وليله